أحمد بن علي القلقشندي

87

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فإنّا كنا نقتبس النار بأيدينا ، وغيرنا يستنير ، ونستنبط الماء بأيدنا ، وغيرنا يستمير ، ونلقى السّهام بنحورنا ، وغيرنا يغيّر التصوير ، ونصافح الصّفاح بصدورنا ، وغيرنا ( 1 ) يدّعي التصدير ، ولا بدّ أن نستردّ بضاعتنا ، بموقف العدل الذي تردّ به الغصوب ، ونظهر طاعتنا ، فنأخذ بحظَّ الألسنة كما أخذنا بحظ القلوب ؛ وما كان العائق إلا أنّا كنا ننظر ابتداء من الجانب الشريف بالنعمة ، يضاهي ابتداءنا بالخدمة ، وإيجابا للحق ، يشاكل إيجابنا للسّبق ، إلى أن يكون سحابها بغير يد مستنزلا ، وروضها بغير غرس مطفلا . كان أوّل أمرنا أنا كنّا في الشام نفتح الفتوحات مباشرين بأنفسنا ونجاهد الكفّار متقدّمين لعساكره نحن ووالدنا وعمّنا ؛ فأيّ مدينة فتحت ، أو معقل ملك ، أو عسكر للعدوّ كسر ، أو مصافّ للإسلام معه ضرب ، فما يجهل أحد ، ولا يجحد عدوّ ، أنّا نصطلي الجمرة ، ونملك الكسرة ، ونتقدّم الجماعة ، ونرتّب المقاتلة ، وندبّر التعبئة ، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها ، ولا يضرّنا أن يكون لغيرنا ذكرها . وكانت أخبار مصر تتّصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء التدبير ، ومما دولتها عليه من غلبة صغير على كبير ، وأن النّظام قد فسد ، والإسلام بها قد ضعف عن إقامته كلّ قائم بها وقعد ، والفرنج قد احتاج من يدبّرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة ، لها مقادير خطيرة ، وأنّ كلمة السّنة بها وإن كانت مجموعة ، فإنها مقموعة ، وأحكام الشريعة وإن كانت مسمّاة ، فإنّها متحاماة ، وتلك البدع بها على ما يعلم ، وتلك الضّلالات فيها على ما يفتى منها بفراق الإسلام ويحكم ، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللَّحم والدّم ، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة تتّخذ من دون اللَّه تعظَّم وتفخّم ، فتعالى اللَّه عن شبه العباد ، وويل لمن غرّه تقلَّب الذين كفروا في البلاد .

--> ( 1 ) الإشارة هنا إلى الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود . وقد كان صلاح الدين يطمح إلى أن يجمع تحت سلطانه بلاد مصر والشام ليواجه بهما مجتمعين الفرنج . ( انظر القلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 157 ) .